بهاء الدين الجندي اليمني

429

السلوك في طبقات العلماء والملوك

لأجلهم فيه من الضيق ما لا ينحصر ، وكان قد أمر السلطان والي عدن ببناء سجن شديد الضيق ليس له متنفس لخارج ولا داخل ، فاجتهد الوالي ببنائه ظنّا أنه لبعض الجبابرة من أعداء السلطان ، فلما جيء بالقضاة ندم على ذلك ، فلبثوا بالسجن مجتمعين لا يكاد يفتح لهم باب إلا في الوعد مرة أو مرتين لما يؤتى به من الماء . أما الطعام فينزل لهم من تصدّق عليهم من طاقة في السقف ، سقف الحبس ، وذلك أنه يعطيه الحبّاس سرا خشية أن يبلغ عدوّهم ، وبعد ثلاث سنين وأربعة أشهر توفّي حسّان على ذلك الحال ، فقبر بالمقبرة التي بها ابن أبي الباطل ، وهو أحد مشايخ الطريق من الصوفية الأكابر ، ولبث ابناه حتى قدمت الحرة كريمة السلطان من ظفار بعد وفاة أخيها الواثق الآتي ذكره ، وكانت إحدى أخيار الخواتين على طريق المروءة والدين والصدقة ، وقد مضى من ذكرها مما يغني عن إعادته ، فحين وصلت تعز إلى أخيها وسلمت عليه شفعت لهم وقالت أجعلهم ضيافتي منك ، فأمر بإطلاقهم فعلم بذلك عدوّ لهم غير الأول فأمر بأنهم لا يخرجون من عدن ، وكان الوالي ابن علاء الدين عمر فأعادهم من باب عدن وأسكنهم في دار جيّدة ، وفسح لهم فأقاموا هنالك مدة ، وبعد وفاة الوزير وانقضاء أيام بني محمد بن عمر ، على ما يأتي بيانه ، طلب بنو عمران من عدن وجمع بينهم وبين أخيهم بزبيد ، وكان في يوم حبس والده بعدن حبس وهو بحبس زبيد ، وجعل له في وسطه حبس في غاية الضيق ، وكان كثيرا ما يوجد خارج الحبس في المساجد يصلي وبلغ السلطان المؤيد ، فأطلقه وجعل له رزقا يقتاته ، وسكن بدار عمّه القاضي البهاء مقدم الذكر ، ولما صار الملك إلى المجاهد بن المؤيد المرة الأولى والغالب عليه الأمير عمر بن يوسف بن منصور ، قال له القاضي عبد الباقي بن عبد المجيد : يا أمير اعمل لآخرتك واسع في إطلاق هؤلاء بني عمران من زبيد ، واجمع بينهم وبين عائلتهم ، فلم يزل عمر بن يوسف يتلطف حتى أطلقوا من زبيد ، وطلعوا سهفنة في الدولة المجاهدية ، وتوفي محمد بن حسان بعد أشهر دون السنة من طلوعهم يوم الجمعة حادي عشر صفر من سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة . وأما ابن عمه عمران فتوفي بزبيد بعد وفاة أبيه بأيام قلائل ، وكان قد توزّر للواثق مدة حتى سافر إلى ظفار ، فلم يتركه أهله يسافر معه وبقي حاكم تعز في غالب الأحوال ، إذ كان عمّه حسان حاكمها منذ توفي محمد بن علي ، وقد يستنيبون بعض المدرّسين مجازا واللّه أعلم . وفيهم فقهاء درسوا وأفتوا ، فلعبد اللّه ولده محمد ، كان فقيها فاضلا درّس مدة